ريما سلمان حمزة **
عندما يصبح منطقُ الأشياء زئبقيًا، تكذبُ من شدّة الصدق، وتتغابى من شدِّة الحب، وتشمخُ كرمحِ محاربٍ رومانيٍ قديمٍ فوقَ أنقاضِ وطنٍ.
وعندما تتحول لغةُ الموت من حنينٍ ميتافيزيقيٍ إلى طقسٍ يومي، ويطالعك الحزنُ كسنونوةٍ سوداءَ عشعشت وأولادها في شواطئ العيون ومداخل القلوب، يلفُّكَ جوٌّ رماديٌّ ولا تستطيع إيقافَ موسيقى (باخ) الكئيبةِ في داخلك، ولا أن تختم أبوابَ ذاكرتك بالشمع الأحمر، فتتحوّلُ لكومةِ قشٍّ قابلةٍ للاشتعال في أي لحظة.
يا وطني المُكابرُ..
جرحٌ أنتَ بملامحِ وطنٍ يركضُ على صفيحٍ مُشتعل، أما آنَ الأوانُ لنقودَ انقلابًا أخضرَ فوق بساطِكَ اللانهائيِّ من العطش؟!
كنتُ أرثي لحال السجناءِ وأقول: كيف يمكنهم إلغاءُ ذاكرتهم المعدنية؟!
حتى أصبحتُ الحرَّ السجينَ في قيدك، وأسعى لتحرير حريتي من رائحتك، تعالَ نتوضأْ باليقين ونحتَفِ بالبقية المتبقيةِ منّا حتى لا نقعَ في غباءِ ما بعدَ الظهر، تعالَ نَكُنْ أكثرَ رقّةً مع العصافير، وأوضحَ ظلًّا مع الشمس، فعندما تصبحُ مواسيرُ المدافعِ أهمَّ من الأشجار، وحقولُ الألغامِ أكثرَ بركةً من حقولِ العنب، ستتكدسُ في العراء.
كيف تُصبحُ فندقًا من الدرجةِ الثالثةِ؟
كيف تُفرطُ في الغيابِ ونُبدعُ نحنُ في اختراعِ الأعذار؟!
تعالَ لغةً لا تفقدُ ذاكرتها وحواسَّها الخمسَ، تعالَ قصيدةً ترقصُ بكلِ خلجاتِ نفسها الواعيةِ واللاواعية، وبكل أحلامها الممكنة واللاممكنةِ وبكلِ نبوءاتها المعقولة واللامعقولة.
تعالَ نغنِّ، ونرقصْ فوقَ أحزاننا، نطرِّزِ الألمَ شالًا من فرحٍ.
لن نعيشَ اغترابك، ونمشي بعكازات انتظارك، فنحن نشتهي المطرَ جرّاء عواصفِكَ الواقفةِ على ارتعاشنا، نشتهي أن تشدَّ يدُ اللهِ على سماواتك جمالها ثانيةً في عينيك الذابلتين.
تعالَ نقرأ الجرحَ بتأنٍّ، نغسلْ ملوحةَ الورق، فلقد سدّدتَ ضرائبَ الهمجية، وحمّلناكَ وزرَ عذاباتنا، ولا زلنا قابعين خلفَ الستائر، نختلسُ النظرَ لجرأةِ الآخرين، لخطوتهم الممتدةِ بفاصل عُمرٍ كامل.
في مواسم الكلامِ الذي ليس له صوتُ، ووجع الأوراق التي لا تجد من يقرؤها، تشقى القصيدةُ التي لا تُتلى.
أيها الفرح، لماذا تمشي حافيًا فوقَ الورق، وكلما شرعنا بالكتابة، نسمعُ خطاك وحفيفَ ملابسِكَ وأنت تركضُ بين الحروفِ هاربًا، تعال نُقبّلْ أطرافَ عباءتكَ المقصّبةِ على أطلال وطننا المكلوم.
وأنتَ أيها الحزن.... أيها الملكُ المخلوع، لا يمكنك اعتقالَ الريح، وزقزقةَ العصافير، والمواويلَ الشعبية، وفراشةً خرجتْ لتوِّها من شرنقتها.
** كاتبة وشاعرة سورية
